مظهر من مظاهر التسول كان من النادر أن يعترضك في الشارع لأنه كان يمارس فقط على أبواب المساجد ويكون المتسول عموما شيخا مسنا. أما اليوم فانه يمكنك أن تجدهم وتراهم في كل مكان: في الشارع، وفي السوق، وفي محطة الحافلات، وفي المترو، وفي المقاهي، وأمام البنوك... كما أنهم أصبحوا يشتملون على كل الشرائح العمرية. وما تسمعه هو جملة تتكرر على كل المسامع وهم يقولون: " المساهمة في بناء جامع، صدقة جارية، والله لا يضيع اجر المحسنين،... "
فان كان التسول أمرا يعاقب عليه القانون وهو ما يمكن أن يعتبر دليل على احترام الدولة لكرامة مواطنيها، فكيف تسمح بمثل هكذا تسول لبناء المساجد؟ اليس هذا ما يسمى بالتعامل مع نفس الظاهرة بثنائية المعايير من جهة هو ممنوع ومن جهة أخرى هو مسموح به ومرخص له، وكانه بصورة أخرى يقال لنا "هات يسكتوا علينا برك وما يهيجوش الجماهير ضدنا برك ماداموا الاقرب الى الله والى قلوب المؤمنين؟ وهل نحن لسنا بمواطنين هل نحن مجرد مؤمنين وغير مؤمنين؟
أريد أن أقدم في هذا الصدد إحصائية تشير إلى أن عدد المساجد في الضفة الغربية، ما بين 1967 و1987، ارتفع من 400 إلى 750 وأنه ارتفع في غزة وفي نفس الفترة من 200 إلى 600 مسجدا ... ليس لدي إحصائيات على عدد المساجد في تونس ولكنها أصبحت أنظف وأرحب وأجمل وبها مكيفات ومبردات لمياه الشرب، ألم تعد هذه المساجد تحضى بعناية أكثر مما تحضى به المدارس والمعاهد والجامعات، كما أنها أصبحت مؤسسة ثقافية اجتماعية يثق بها المواطن ويلجأ إليها بحثا عن العدالة اللاهية ما دام لم يجد ولو مؤشرات للعدالة الاجتماعية؟